» الرئيسية » مقالات مترجمة » صلاة الغائب على خاشقجي


صلاة الغائب على خاشقجي

15 نوفمبر 2018 - 02:48

  

مر 43 يوما منذ دخول الصحافي السعودي جمال خاشقجي قنصلية بلاده في إسطنبول ولم يخرج منها. وقد شهد الأحد الماضي تأكيد الطريقة الوحشية التي ارتكبت بها الجريمة، وهي طريقة يندى لها جبين الإنسانية. وقد عقدت ذلك اليوم جلسة تذكارية من قبل أصدقاء خاشقجي بمناسبة مرور 40 يوما على وفاته.

وقد عقد أصدقاؤه في تركيا جلسة في صالة علي أميري في إسطنبول، كما عقد أصدقاؤه الآخرون حول العالم جلسات مماثلة متزامنة في عواصم عالمية وأوروبية مثل واشنطن ولندن، وحاولوا شرح الرسائل والمعاني الجديدة التي حملها استشهاده.

كان هناك من وصف خاشقجي بشهيد الكلمة والفكر، كما نعته آخرون بشهيد الحرية والديمقراطية. وعلى كل، فإن الوعي الذي أفضى إليه مقتله جعل العالم أجمع أن يشهد بكل وضوح الحقائق التي لا يمكن الكشف عنها وسردها بأي طريقة أخرى.

أن يشهد المرء شيئا أو يجعل الآخرين يشهدونه... إنها أفضل تجربة تشعر الإنسان بحقيقة مرتبة الشهادة وقوتها.

ليس هناك أدنى شك في أن استشهاد خاشقجي نقل العالم بأسره إلى مستوى آخر من مستويات الوعي. فبعد إماطة اللثام عن مقتله وطريقته تساقط ذهب الأكاذيب المذهبة التي أرادوا خداع العالم كله بها، كما سقطت الأقنعة، ثم ظهرت أمام الجميع كل الأوجه الخبيثة للقوة المسيطرة على العالم. ولا ريب أن من يعرفون قباحة هذا العالم كانوا يعلمون هذا الأمر، لكنهم لم يكونوا يستطيعون إظهار شيء بهذه الوقاحة. وقد جعل الشهيد العالم كله يشهد حقيقته.

لم يكن خاشقجي - في حقيقة الأمر – معروفا إبان حياته بالنسبة للكثيرين في تركيا. فالشعوب التي لم تكن تتحدث أو تسمع باللغتين العربية أو الإنجليزية لم تكن تعرفه كثيرا. وبطبيعة الحال لم يكن أحد من هؤلاء على علم بأفكاره. كان ضد من؟ ولماذا كان معارضا؟ من كان ينتقد؟ لماذا كان يوجه النقد؟ من كان يغضبه نقده؟ من كان ليعلم كل هذا؟

لقد اهتم من قرروا قتله كثيرا بتكميم فمه بعدما اعتبروا حتى صوته الضعيف خطرا كبيرا بالنسبة لهم. بيد أنهم ساهموا في أن يعرفه الجميع عندما قتلوه. وبينما ساهموا في أن يعرفه الناس عرفوا كذلك بأنفسهم بكل وضوح ودون أي تجميل. والآن لم يعد لديهم أي فرصة للظهور أمام أحد بهذه الصورة التي ليس بها أي تجميل. فحتى أصدقاؤهم لا يجرؤون على حمايتهم والظهور معهم.

كما لم يعد هناك من لا يعرف خاشقجي أو من يغضبهم ولماذا أو ما المخططات الخبيثة التي يضعها من يغضبون منه. فبغض النظر عن استغلال قتلته دولاراتهم النفطية لشراء وسائل الإعلام أو مراكز الضغط لينشؤوا عالما من الأكاذيب، فإن ذلك العالم سرعان ما سيخبو ضياؤه بفضل شهادة ذلك الشهيد.

مر 43 يوما منذ مقتل خاشقجي لكن لم يعثر حتى الآن على جثته، كما لم يصدر مرتكبو الجريمة أي تصريح حول مكان الجثة. بيد أن هذه المعلومات موجودة لدى الأشخاص الثمانية عشر الذين يقال إنهم اعتقلوا بتهمة ارتكاب الجريمة. فعدم كشفهم عن هذه المعلومات بالرغم من كل هذه الضغوط والاتهامات لا يعتبر شيئا سوى خزيا خالصا. ومن الواضح أن هذه المعلومات ليست من النوع الذي يمكن إطلاع الآخرين عليه، ومن الواضح أيضا أننا لن نستطيع مستقبلا الوصول إلى أي معلومات حول مصير جثته.

ولهذا السبب حان وقت تأدية كل مسلم مراسم جنازته بعد مرور 40 يوما على وفاته. ولو لم يصل أحد عليه، فإن مسؤولية صلاة الجناة، التي تعتبر فرض عين على جميع المسلمين، لم يعد يتحملها خاشقجي، بل من شهدوا وفاته. وأما عدم وجود جثة تدفن فإنه لا يلغي فرضية صلاة الجنازة، بل يغير فقط طريقة أدائها بعض الشيء.

تعتبر صلاة الجنازة على الغائب صلاة تؤدى على من تأكدت وفاته من المسلمين لكن لم يتم العثور على جثته أو على من دفن في مكان أخرى وأريد الصلاة عليه ولو لمرة ثانية. ومعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى أدى هذه الصلاة على النجاشي ملك الحبشة.

وأما الصلاة على خاشقجي فهي – في الواقع – صلاة مختلفة. فجثته ليست موجودة في حين أنه قتل قبل 43 يوما، لكنه بيننا أكثر من أي شخص آخر. فتأثير مقتله لا يزال يؤدي إلى تغيرات في جميع الموازين العالمية. فوفاته تتولى مسؤولية إحداث التأثير الذي فشلته حياته في إحداثه.

وفي الواقع فإنهم بينما تخلصوا من جثته قد استهدفوا تركيا؛ إذ كانوا قد استعدوا لإعلان تركيا دولة غير آمنة ولا يمكن الثقة بها عن طريق التخلص منه بقتله. وقد اتخذ خاشقجي، بفضل حدسه، تدبيرا احتياطيا بسيطا، وهو ما أسهم في قلب الطاولة على أصحاب المؤامرة. وبهذه الطريقة أصبحت وفاته سببا في حماية تركيا من واحدة من أخطر الهجمات التي تعرضت لها في تاريخها.

وبما أننا تأكدنا من وفاة خاشقجي، صار لزاما علينا أداء صلاة الجنازة التي يستحقها. ولهذا فإننا سنؤدي صلاة الغائب على روحه يوم الجمعة المقبل عقب صلاة الجمعة في جامع الفاتح بإسطنبول، لنكون بذلك قد أدينا واحدة من مسؤولياتنا الأصلية تجاهه.

ولا شك أن مسؤوليتنا تجاهه لن تتوقف عند هذا الحد؛ إذ سنواصل شهادتنا على ما دعانا لرؤيته إبان حياته.



روابط ومصادر

- المصدر: يني شفق العربية