» الرئيسية » ندوات » مستقبل الحركات الإسلامية في ضوء الثورات العربية


مستقبل الحركات الإسلامية في ضوء الثورات العربية

23 يناير 2021 - 04:47

  

 

منذ يوليو 2013م حيث الانقلاب المصري على المسار الديمقراطي الذي أنتجته ثورة يناير ومراكز القرار والتفكير بالعالم تمر بلحظة أماني متكررة هي لحظة أماني "ما بعد الحركات الإسلامية" ليس في مصر فحسب بل في العالم كله وهي ذات اللحظة التي تكررت كثيرا لعدة سنوات ولا سيما بعد تفجيرات سبتمبر كما قد عشنا نراها بشكل شبه يومي في اعلامنا المحلي وخاصة في مصر وذلك منذ عقود طويلة.

فالدعاية تتكرر بشكل مضحك لكن تبقى الحقيقة وهي أن الحركة الإسلامية هي مكون أصيل من نسيج هذه الأمة وأحد أهم روافد نهضتها وأن ارتباطها بهويتها يجعل له مكانة محورية غير قابلة للمحو وتظل مستعصية على الاقصاء.

في ضوء هذه المقدمة الضرورية للتعامل الصحيح مع موضوع الندوة حيث "مستقبل الحركات الإسلامية" فإنني يجب أن أوكد على أن الحركات الإسلامية بوضعيتها الحالية لا تلبى طموح جماهيرها وقواعدها المترامية الأطراف ومن ثمّ أرى ضرورة التطوير والترشيد حتى تبلغ غاياتها التي جعلتها مبعث الأمل الباقي لأمتنا ومنطقتنا.

وعلى هذا فسوف تكون ورقتي المقدمة على أقسام ثلاثة:

الأول.. استشراف مستقبل الحركة الإسلامية

الثاني.. رؤيتنا لاستكمال ثورة يناير باعتبارها المسار الوحيد القادر على هزيمة الاستبداد واسترداد كرامة شعبنا.

 

استشراف المستقبل
ليس هناك شك أن الدراسة الموضوعية لمستقبل منطقتنا لا يمكن تصورها دون دور حيوي للحركات الإسلامية وأن كل محاولات تصور المنطقة دونها هي محاولات متعسفة فضلا عن أنها تهمل المصالح الضرورية لمنطقتنا إن لم تكن تخونها كما أن التفكير العقلاني والسياسي يقتضي من كل صناع القرار المخلصين في منطقتنا أن يبحثوا عن صيغة للتعايش مع الحركات الإسلامية بدلا من صيغ الاقصاء والاستئصال التي تضررت منها منطقتنا ولاتزال تتضرر بل وعانت منها النظم الحاكمة قصيرة النظر بعد أن استسلمت لأجندات خارجية فرضت عليها معركة خاطئة.

كما أني أقرر بكل حسم أن كل معطيات المنطقة وتحولاتها بل وتصدعاتها المتوقعة ستجعل الحركة الإسلامية هي الفاعل الرئيس على الأرض وأيضا ستكون هي صمام الأمان الذي سيحول دون انهيارات كارثية يخطط لها أصحاب القرار الدولي.

وحتى يمكن النظر للمستقبل بشكل موضوعي فلابد من التعرض للموضوعات التالية:

1_ التحديات المتعلقة بالمستقبل.

2_ السيناريوهات المتوقعة لمنطقتنا.

3_ الشروط اللازمة لتجاوز مخاطرها ومدى أمكانية ذلك.

 

أولا.. التحديات المتعلقة بمستقبل الحركة الإسلامية:

1_ عمليات التشويه المنهجي للحركات الإسلامية والتي تعمل بكثافة على المستوى الدولي والمحلي.. وكان من بين مخططاتها الأكثر فاعلية هو السماح بوصول الحركة الإسلامية للحكم في بعض البلدان ثم تأليب الجماهير عليها من خلال هذا الموقع الأكثر تأثيرا لتفقد أهم عناصر قوتها ونفوذها المتمثل في الحاضنة الجماهيرية الواسعة التي كانت ولاتزال أهم عناصر حمايتها (النموذج المصري)

2_ استغلال الجماعات المسلحة التي تتمتع بقدر عال من التطرف (نموذج داعش) ودعمها في بعض المناطق وذلك بهدف تشويه الحركات الإسلامية ومشروعها بل والإسلام ذاته والعمل على توظيف الصراع معها لتحقيق الأهداف الدولية الاستراتيجية المتعلقة بتفكيك منطقتنا واغراقها في الفوضى.

3_ عمل مراكز صنع القرار الدولي على تفشيل المنطقة حتى لا تتحول إلى كيان سياسي جامع تحكمه النظرية السياسية الإسلامية في الحكم ومن ثمّ تجعلها تنازع أو تنافس على القرار الدولي.

4_ التحديات الدولية التي تواجه حزب العدالة والتنمية التركي

في الحكم برغم أنه وصل للحكم من خلال المعايير التي تلح عليها القوى الدولية المتنفذة ولازال يعمل وفق القواعد الدولية المستقرة في الحكم بل وتعرضه للضغوط وربما المؤامرات التي تحول بين استكمال نجاح نموذجه.

5_ التحديات المتربصة بمنطقتنا والتي تعمل على تفشيل دولها وتمزيق مجتمعاتها وتمكين كل خصومها من كل مواردها ومفاصلها.

ثانيا.. السيناريوهات المتوقعة:

الانجراف لمستنقع العنف الذي سيستغل من قبل القوى المتربصة بمنطقتنا لتفخيخ وتفكيك كل مكوناتها.

أن يستكمل حزب العدالة والتنمية التركي نجاحه ويصبح هو النموذج الأفضل لدول المنطقة.

هجر السياسة والعودة للعمل الدعوي.

 

ثالثا.. الشروط اللازمة لتجاوز التحديات وتوقع مستقبل أفضل:

وهو ما يمكن بالعمل على محورين

الأول.. العمل على بناء مشروع سياسي قادر على أعادة بناء مجتمعاتنا وترشيد نظمنا السياسية ومواجهة التحديات الداخلية التي تواجه حركاتنا ومجتمعاتنا.

الثاني.. وقاية منطقتنا من الأخطار المحدقة والتي تعمل على تفشيلها وأبعادها عن الندية الدولية واستمرار وجودها في مستنقع التبعية وذلك بضرورة وجود تصور شامل للتعامل مع التحديات الخارجية بما يخفض تأثيرها أو يتفادى أضرارها.

وهو ما يوجب الآتي:

1_ ضرورة النقد الذاتي وتقييم تجربة الحركات الإسلامية ودورها في المنطقة ولا سيما الأربعين سنة الأخيرة التي تحولت فيها إلى قوة تأثير دولية أو عابرة للقطرية وفى ذات الوقت الذي لم تحقق فيه مشروعها بل أصبحت اليوم موضع حصار ومرشحة للملاحقة بصور مختلفة وهذا التقييم يهدف إلى تحديد أوجه القصور والخلل والوقوف على مناطق القوة والفاعلية وذلك حتى نحاصر الأولى ونعظم الثانية.

2_ الحاجة الماسة لتقديم هيكل قيادة جديد بعد أن أستنفذ الهيكل الذي أدار الأربعين عام الماضية أغراضه وما أعنيه بالهيكل الجديد هو الهيكل القادر على التعامل مع المستجدات الهائلة ويستجيب لطموح الشباب للقيادة وسنن التداول.

3_ إعادة تقديم المشروع الإسلامي الذي يؤكد على العدالة الاجتماعية وينحاز للفقراء والمهمشين ويتوافق مع كافة مكونات المجتمع ويحرص على عدم تهميشها ويدافع عن حرية الشعوب وكرامتها كما يؤكد على التواصل والتعايش الحضاري في مواجهة صدام الحضارات التي يدعو إليها بعض المتنفذين في الغرب.

 4_ لابد من رؤية استراتيجية جديدة تستشرف المستقبل المحمل بالعديد من المخاطر والتهديدات والتي تستهدف وحدة بلادنا وتماسكها وتؤذن بانهيارات كبرى.. والاستعداد لمجابهة هذه الأخطار التي على قدر كارثيتها إلا أنها ستفتح أبوابا جديدة للشعوب كي تمارس دورها وتحقق أهدافها.. "فالمخططات الدولية" قررت أن تضع منطقتنا أمام خيارين إما الاستسلام لنموذجها الثقافي والسياسي والتسليم بكل شروط التبعية المهينة وإما التيه في مستنقع التمزق والشتات والخطر "الإسرائيلي" يتمدد داخل مساحات الفشل الكبيرة التي تعاني منها دولنا ويستوطن داخل مجتمعاتنا والخطر "الإيراني" يتوغل بعنف في مساحات واسعة من بلادنا ويضرب استقرارها ويهدد وحدتها ويضع المنطقة كلها في حرج بالغ.

6_ لقد أصبحت الحاجة ماسة لنظرة جديدة للدولة وللممارسة السياسية وتجاوز كل تجارب فشل الإسلاميين في المجال السياسي على مدى 30 عاما الماضية.. وذلك في إطار السعي نحو المشاركة في بناء الدولة المدنية الحديثة التي يشارك في تأسيسها الجميع وتلبى طموحات الجميع.

7_ نحن بحاجة ماسة إلى تسييس النشاط والممارسة الإسلامية وليس أدلجتها فالأيديولجيا الملزمة لمعتنقيها لا ينبغي أن تكون هي ذاتها أداة التواصل مع مخالفيها وإلا فلن نستطيع إعادة بناء مجتمعاتنا التي خربها الاستبداد بل وسيظل الاستبداد هو الفيصل والحكم في كل الخلافات وفي كل الأوطان.

وفي هذا الإطار فإنني أدعو للاتي:

1.     ضرورة تواصل الحوار بين الإسلاميين والليبراليين واليساريين وكافة شركاء الوطن على أرضية دولة العدل والقانون وأن يأخذ الحوار طابعا مؤسسيا لا يرتبط بظروف معينة ولا أشخاص معينين.

2.     أن يمتد هذا الحوار ليشمل رؤيتنا للتعايش بين الحضارات والذي يجب أن نصدره للعالم من منطقتنا التي طالما اتهموها بكراهية الأخر وتصدير العنف والإرهاب.

3.     من الضروري أن يكون الحوار على أرضية أهداف الثورات العربية فهي الأمل الباقي لتحرير بلادنا من الاستبداد ولضمان مستقبل كريم لشعوبنا ووقاية من أخطار الثورات المضادة التي تؤدي بالضرورة لفشل دولنا وتصدع مجتمعاتنا.

4.     ضرورة العمل على اصدار وثائق مشتركة بين الفاعلين السياسيين في بلادنا على شتى اتجاهاتهم بخصوص "النضال المشترك ضد استبداد" و"التصورات المشتركة للدولة" التي يتعايش فيها الجميع.

5.     الحاجة إلى "ميثاق شرف" يلزم كافة الفرقاء السياسيين بعدم الانحياز للاستبداد أو التواطئ على قمع الأخر أيا كان لونه ومهما كانت الأسباب.

6.     كما يجب نزع الألغام من ساحاتنا السياسية بتطمين كافة الأطراف بأن الأغلبية لن تكون سوطا على ظهور الأقلية وفى هذا أقترح على الحركات الإسلامية أن تتعهد بأمرين: الأول قوانين تمنع استخدام الدعاية الدينية في المنافسة السياسية.. والثاني قوانين انتخابية تضمن مشاركة كافة الفرقاء في العملية السياسية.

 

رؤيتينا لاستكمال ثورة يناير
ولأننا نرى أن مستقبل المنطقة وكرامة شعوبها لن تكون بعيدا عن استكمال الثورات العربية فقد وضعنا كل ثقلنا وكل رهاناتنا على استكمال هذا المسار وفي مصر على وجه الخصوص فقد كان لثورة يناير فضل كبير في إعادة ترميم كل التصدعات السياسية والاجتماعية والأيديولوجية كما أنها الثورة الوحيدة التي زحزحت الفرعون من فوق عرشه وصدعت بنيان الطغيان والاستبداد وهو ما يجعلنا نؤكد أنها المسار الوحيد لإنقاذ بلادنا..

1.     ضرورة التأكيد على أن "مشروعنا السياسي" لا ينفك عن ثورة يناير

2.     وأننا نسعى لاستعادتها وتحقيق أهدافها أو استكمالها بكل أساسياتها وتقاليدها وقيمها ورموزها وكياناتها فنحن لا نسعى لثورة جديدة وإنما لاسترداد ثورتنا المختطفة واستكمالها.

3.     الخروج فورا من "الثنائيات القاتلة للثورة المصرية" وأخطرها ثنائية (العسكر/ والاخوان) وثنائية (الإسلامي/ وغير الإسلامي) ومن ثم ضرورة التأكيد على ثنائية (الثورة/ والثورة المضادة) وثنائية (الحرية/ والاستبداد).. فلا ينبغي أن ننسى أن من أهم أسباب نجاح الانقلاب وأهم أسباب بقاءه حتى الآن مرتبط بخريطة الصراع التي فرضها وحرص عليها بقوة والتي تعتمد بالأساس على أن جوهر الصراع هو بين الدولة والاخوان.

4.     لابد من العمل على "إعادة بناء مظلة يناير" على أساس "المبادئ المشتركة" التي تتيح حشد القطاع الأكبر من ثوار يناير ووفق "مشروع وطني" جامع يرسم "خارطة المستقبل" فيما بعد التخلص من الوضعية الكارثية والاستثنائية التي تعيشها البلاد وذلك بمشاركة كل رموز يناير وكياناتها دون استثناء أو اقصاء والاقتداء في ذلك ب 18 يوم عاشت فيها مصر أعظم أيامها ذابت فيها كل الجدر العازلة وانصهرت كل القوى في بوتقة واحدة ولم تكن هذه اللحمة مجرد أحلام بل كانت واقعا حيا وتجربة حقيقية للنضال والعيش المشترك هي أهم ما صدرته مصر للعالم خلال الستين عاما.

5.     لابد من حرمان الانقلاب من أهم نقاط قوته وتمركزه في المجتمع وأخطرها "تمزيق للمجتمع" بصورة لم تحدث من قبل.. وهنا لابد وأن نؤكد على أن "المصالحة المجتمعية" و"التوعية الشاملة" هي المسمار الأخير في نعش الانقلاب ومن ثم الديكتاتورية وفى هذا الإطار فإن المصالحة المجتمعية تعد ضرورة لتجاوز الانقسام الذي يتغذى عليه الانقلاب كما يمكنها أن تكون أهم سبل محاصرة مخططات النظام في البقاء والاستئثار.

6.     لابد من "كسر حالة الاستقطاب السياسي" كما يلزم القبول "بتعدد المسارات المعارضة" للانقلاب وللاستبداد بـأشكالها المختلفة "الثورية" و"الاحتجاجية" و"السياسية" وذلك حيث يمكن أن تتحرك كلها على خطوط متوازية وغير متقاطعة وتصب جميعا في مشروع واحد يحقق هزيمة الديكتاتورية وإنهاء الاستبداد وذلك في أطار رؤية كلية تهدف لاستنفار كل الطاقات وتوجيهها وجهة واحدة للمنازلة الكبرى فالاستبداد يستهدف الجميع ويتقوى على الانقسامات ويوظفها لصالح استمراره في الحكم.

7.     لابد من "طمأنة كل الأطراف بل والمؤسسات التي ورطها الجنرال" في الوقوف معه في خندق مناوئ لثورة يناير فالأزمة المصرية التي صنعها الانقلاب عميقة وتستدعى احترافا في التعامل مع كل الأطراف بما يؤدى لعزل الجنرال وأعوانه بعيدا عن جسم الدولة وكيان المجتمع وهو ما يضمن نجاح الثورة بأقل خسائر لكليهما.

8.     ضرورة بناء "خطاب سياسي واعلامي" رشيد يعمل على تفكيك جبهة الانقلاب وليس استنفارها كما يعمل على استيعابها لا استبعادها كما يعمل على التقريب بين القوى المتضررة من النظام الحالي وليس استمرار تنافرها والصراع فيما بينها كما يبشر بمستقبل البلاد في ظل أهداف يناير وليس التخويف من هذا المستقبل.

9.     العمل على تطوير "الخطاب الجماهيري" وتغيير ديناميات "الحراك الشعبي" لينشغل بشكل أساسي بالقضايا الاجتماعية ومعاناة الغالبية الساحقة من الشعب لأن الثورة الشعبية تفقد أهم عناصر قوتها إذا انشغلت فحسب بالقضايا السياسية ذات الطابع والاهتمام النخبوي.. كما أن الانشغال بمعاناة الناس من أهم أسباب تجسير الفجوة بين القوى السياسية حيث تصبح معاناة الناس هي الهم المشترك للجميع.

10.   العمل على حشد وتوظيف كل القوى والمواقف الرافضة للانقلاب أو الاستبداد ولو لم تكن مؤيدة للشرعية وذلك على أساس أننا نواجه معركة شرسة ذات أبعاد عميقة لا يمكن الاستغناء فيها عن طرف مهما كان حجمه وأيا كان موقعه وهذا يستدعى ترميم العلاقات التي نسفها مخطط الانقلاب وبناء "رؤية شاملة لإدارة الصراع" تستفيد من كل تناقضات الساحة السياسية والتحولات الجارية فيها.

11.    ضرورة التسليم "بالحاجة لمرحلة انتقالية" جديدة يتم إدارتها من خلال تشارك واسع لا يقصي ولا يستثني أحدا كما ضرورة الاعتماد على آليات "العدالة الانتقالية" لتجاوز المظالم على أسس عادلة وفتح صفحة جديدة لمجتمع يتوق للاستقرار وينشد الرخاء والحرية.

12.   لابد من تأسيس "البديل الوطني" المؤهل لإنقاذ الدولة والقادر على التعامل مع مشكلات المجتمع والتعاطي مع العالم وفق ظروفه ومعطياته بالغة التعقيد وأنه لن يكون بحال صورة طبق الأصل من النظام الحالي الذي أقصي الجميع.

13.    لابد من التعامل الواعي والمتطور مع "التغيرات الإقليمية والدولية" الأخيرة التي تهيئ المنطقة لأفول نجم الثورات المضادة وتضع بلادنا في موضع جديد وظروف جديدة تؤهلها لاستكمال ثورتها فيجب العمل على اكتساب الأنصار وتخفيض قدر الخصومات فالثورات ليست بلا عقل كما يتصور البعض.

 



روابط ومصادر

- http://tarekalzomor.com/topics/s-36



الوسوم